كريم حداد الثلاثاء 18 آب 2026
تكتسب دراسة ميك ديفيس الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 16 آب 2026 أهمية خاصة عند قراءتها من زاوية لبنان، لا لأنها تقدّم خطة عملياتية جديدة للجبهة الشمالية، بل لأنها تضع هذه الجبهة داخل سؤال أوسع يتعلق بقدرة إسرائيل نفسها على الاستمرار في نموذجها الأمني الحالي. فالدراسة، التي تستعير من بول كينيدي مفهوم «التمدّد الاستراتيجي المُفرط»، لا تسأل إن كانت إسرائيل قوية عسكريًّا، فهذا أمر لا تجادل فيه أصلًا، وإنما تسأل إن كانت هذه القوة قابلة للاستدامة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا. والمفارقة التي ينطلق منها الكاتب هي أن الخطر قد يظهر حين تكون الدولة في ذروة قوتها وتخلط بين القدرة على استخدام القوة وامتلاك الأمن المُستدام.
من هذه الزاوية يصبح لبنان مثالًا نموذجيًّا للمشكلة التي تحاول الدراسة تشخيصها. فإسرائيل لا تواجه، بحسب حساب ديفيس، جبهة لبنانية منفصلة يمكن فتحها وإغلاقها عسكريًّا، بل منظومة التزامات متزامنة تشمل غزة والضفة ولبنان وإيران والممرات البحرية. وكل جبهة من هذه الجبهات تحتاج إلى موارد وذخائر واحتياط ودفاع جوي ومراقبة استخبارية وتمويل مستمر. لذلك لا تقاس المشكلة بعدد الصواريخ التي تستطيع إسرائيل إطلاقها أو المواقع التي تستطيع تدميرها، بل بقدرتها على الحفاظ، بعد انتهاء كل جولة، على الواقع الذي حاولت فرضه بالقوة.
وهنا ترد العبارة الأكثر دلالة في الدراسة بشأن لبنان. ديفيس يدعو إلى تسوية للجبهة الشمالية من خلال تفاهم بين القوى المعنية، لا عبر استمرار إسرائيل في فرض الوضع بصورة أُحادية ومفتوحة في جنوب لبنان. وهو يصف هذا المسار، في غياب نهاية سياسية واضحة، بأنه «استنزاف يتنكّر في هيئة حزم». هذه العبارة تكشف انقلابًا مهمًّا في طريقة النظر إلى الجبهة اللبنانية. ما قد يبدو في الخطاب السياسي الإسرائيلي دليلًا على التصميم وحرية العمل العسكرية يمكن، في الحساب الاستراتيجي الطويل، أن يتحوّل إلى التزام دائم يتعيّن تمويله والدفاع عنه وإعادة إنتاجه بلا نهاية.
هذا يعني أن المشكلة ليست في قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات في جنوب لبنان، بل في أن كل عملية لا تُنتِج وضعًا سياسيًّا مستقرًّا تعيد إنتاج الحاجة إلى العملية التالية. تصبح القوة العسكرية، عندئذ، وسيلة لمنع عودة التهديد بدل أن تكون وسيلة لإنهائه، ويتحوّل «الردع» من حالة مستقرة إلى نشاط متواصل. وهذه تحديدًا إحدى ُعلامات التمدّد المُفرط عند ديفيس: التزامات لا يمكن إنهاؤها من طرف واحد وتستمر في استهلاك الموارد ما دام الخطر قائمًا.
الحرب على لبنان، وفق هذا المنطق، لا تحتاج إلى أن تنتهي بخسارة عسكرية إسرائيلية كي تنتج أزمة لإسرائيل. يكفي أن تبقى الجبهة مفتوحة، وأن تحتاج تل أبيب إلى وجود عملياتي طويل ومراقبة دائمة وتعبئة احتياط متكررة وإنفاق مرتفع لكي تتحوّل المسألة من ميزان نيران إلى ميزان استدامة. وهنا يذكّر الكاتب بأن تعبئة الاحتياط الواسعة تسحب من الاقتصاد تحديدًا الفئات المُنتِجة في سن العمل. وهي بذلك تفرض كلفة مزدوجة: كلفة مالية مباشرة على الدولة، وخسارة في الناتج الذي يفترض أن يموّل الدولة وحروبها.
هذه الخلفية تجعل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة جزءًا جوهريًّا من المسألة، لا مجرد استحقاق سياسي منفصل عنها. فالدراسة تقول بوضوح إن الائتلاف الحالي يعاني عجزًا بنيويًّا عن إعادة توزيع الأعباء لأن بقاءه نفسه يعتمد على ترتيبات هي جزء من المشكلة، وخصوصًا الإعفاءات المرتبطة بالخدمة العسكرية. لذلك يرى ديفيس أن إعادة تشكيل الائتلاف السياسي شرط مُسبق للإصلاح، ويشير صراحة إلى الانتخابات المتوقعة في الجزء الأخير من عام 2026 بوصفها فرصة مُحتملة لتغيير هذه المعادلة.
المشكلة ليست في قوة إسرائيل، بل في أنها لا تُنتِج وضعًا سياسيًّا مستقرًّا، عندها تصبح وسيلة لمنع عودة التهديد بدل أن إنهائه
من هنا يمكن فهم الانتخابات المقبلة باعتبارها، في قراءة الدراسة، استفتاءً غير مباشر على نموذجين للأمن الإسرائيلي. النموذج الأول هو استمرار المنطق الحالي: دولة تعتمد بدرجة متزايدة على القوة المباشرة لفرض النتائج في غزة والضفة ولبنان وإيران، وتقبل كلفة التعبئة الطويلة والتوسّع في الموازنة العسكرية والاستقلال التسليحي المتزايد. أمّا النموذج الثاني فهو ما يسمّيه ديفيس «إعادة المعايرة»، أي استخدام القوة الحالية للخروج من بعض الالتزامات المفتوحة ونقل جزء من أعبائها إلى ترتيبات سياسية وإقليمية.
لكنّ المشكلة أن الانتقال إلى النموذج الثاني ليس تقنيًّا. إنه يحتاج إلى تغيير في الخطاب الإسرائيلي نفسه. فالجمهور الذي سيصوّت في الانتخابات المقبلة عاش سنوات من الحرب والصدمة والخوف، ولذلك يعترف الكاتب بأن أي مشروع سياسي يُقدَّم له باعتباره «تنازلًا» سيكون ضعيف الحظوظ. ومن هنا يدعو إلى تقديم إعادة المعايرة باعتبارها استراتيجية أمنية لا تراجعًا. بالنسبة إلى لبنان يعني ذلك أن اتفاقًا ينهي حالة الإنفاذ العسكري المفتوح في الجنوب يجب، من وجهة نظره، أن يُسوَّق إسرائيليًّا لا كتنازل أمام حزب الله أو لبنان، بل كوسيلة لتقليص كلفة استراتيجية أصبحت غير قابلة للاستمرار.
وهنا تحديدًا تتضح العلاقة بين الانتخابات والجبهة اللبنانية. فنجاح القوى السياسية التي تواصل تعريف الأمن باعتباره حرية دائمة في العمل العسكري سيعني على الأرجح استمرار المشكلة التي يحذّر منها ديفيس: لا نهاية سياسية واضحة للجبهة الشمالية، وبالتالي استمرار الحاجة إلى الردع والضرب والمراقبة والاحتياط. أمّا وصول ائتلاف أكثر استعدادًا لإعادة توزيع الأعباء والقبول بتفاهمات إقليمية فقد يفتح الباب أمام محاولة إغلاق الجبهة اللبنانية سياسيًّا بدل إدارتها عسكريًّا بلا سقف زمني.
لكنّ الدراسة نفسها تكشف صعوبة هذا التحوّل. فإعادة المعايرة التي يقترحها ديفيس لا تتوقف عند لبنان. هو يقول إن حل الجبهة الشمالية مرتبط باحتواء إيران داخل إطار إقليمي أوسع، وهذا بدوره مرتبط بفتح أفق حقيقي لتقرير المصير الفلسطيني.
لذلك فإن انتخابات 2026، في قراءة الدراسة، ليست فقط منافسة على هوية رئيس الحكومة المقبل، بل على قدرة النظام الإسرائيلي على الاعتراف بأن بعض عناصر القوة التي راكمها قد أصبحت تولّد أعباء تفوق عوائدها. وإذا أعادت الانتخابات إنتاج الائتلاف نفسه أو المنطق نفسه، فإن «نافذة التصحيح» التي يتحدّث عنها ديفيس قد تضيق أكثر. فالكاتب يحذّر، انطلاقًا من مقارنته بالاتحاد السوفياتي، من أن النظام السياسي يمكن أن يصل إلى مرحلة لا يعود فيها عاجزًا عن حل المشكلة فقط، بل يصبح عاجزًا عن رؤيتها أصلًا، لأن الاعتراف بكلفتها يهدّد الأسس التي يقوم عليها الائتلاف الحاكم.
هذا الاحتمال شديد الأهمية للبنان. فإذا خرجت الانتخابات المقبلة بمزيد من التشدّد، فإن التوتر على الجبهة الشمالية قد لا ينخفض، لأن الحكومة الجديدة قد تجد نفسها مُطالبة بإثبات أن سنوات الحرب أنتجت «أمنًا» ملموسًا، وقد يصبح الحفاظ على حرية العمل في الجنوب معيارًا سياسيًّا داخليًّا لعدم التراجع. لكن ذلك، بحسب منطق الدراسة، يزيد تحديدًا الخطر البنيوي: تحويل الجنوب اللبناني إلى التزام دائم، يحتاج باستمرار إلى موارد وقوات وتسليح وتغطية أميركية.
في المقابل، قد تفتح الانتخابات، وفق السيناريو الذي يأمله ديفيس، الطريق أمام إعادة تعريف النجاح الإسرائيلي في لبنان. بدل أن يكون النجاح هو القدرة على الضرب في أي وقت، يصبح النجاح هو الوصول إلى ترتيب يجعل الحاجة إلى الضرب أقل. وبدل أن يكون الأمن ناتجًا من إبقاء الجيش في حالة تدخل مستمر، يصبح ناتجًا من بناء وضع سياسي وإقليمي يوزّع العبء ويخفّض الكلفة.
لكنّ المفارقة الكبرى أن الدراسة تقدّم هذا التحوّل باعتباره وسيلة للحفاظ على القوة الإسرائيلية، لا للتخلي عنها. فهي لا تدعو إلى انسحاب استراتيجي من المنطقة، بل إلى إدارة أكثر اقتصادًا للقوة. لهذا فإن الانتخابات المقبلة تبدو، في تصوّرها، فرصة إسرائيلية لإعادة تنظيم مشروع القوة قبل أن تفرض الأزمة هذا التنظيم بشروط أسوأ.
من هنا يمكن تلخيص رؤية الدراسة للبنان بعبارة واحدة: الجبهة الشمالية لم تعد مجرد مشكلة عسكرية، بل أصبحت اختبارًا لمدى قدرة إسرائيل على التمييز بين القوة والأمن. تستطيع إسرائيل أن تبقى قوية جدًّا، وأن تضرب في لبنان وإيران وغزة، وأن تحتفظ بتفوّق عسكري واضح، لكنها قد تصبح أقل أمنًا كلما احتاجت إلى استخدام هذه القوة بصورة دائمة كي تحافظ على النتائج نفسها. والانتخابات المقبلة ستكون، بهذا المعنى، لحظة فاصلة: إمّا أن تُنتِج قيادة تقبل تحويل القوة إلى تسوية تقلّل الالتزامات، أو أن تعيد إنتاج الاعتقاد بأن المزيد من القوة يحل مشكلة خلقها الإفراط في استخدامها.